ما هو أهم من التخطيط الشخصي!

 

“قبل أن تتحرك، يجب أن تخطط جيداً”.

“التخطيط الجيد يوفر لك الكثير من الوقت أثناء التنفيذ”.

“ليكن هدفك في الحياة واضحاً”.

“من لا يملك هدفاً.. أعمى!”

 

وعبارات من هذا القبيل، كثيرةٌ جداً، لا أقف منها اليوم موقف التقويم والنقد، ولكن أقف لأحكي ما فهمته منها، في بدايات الشباب، وما فعلته، أقصد، ما لم أفعله! بناءً على فهمي لهذه الوصايا والتقريرات وما يشبهها.

فهمتُ أن على المرء أن يكتشف هدفه في الحياة، وأن يخطط لحياته بصورة محكمة، وأن يشرع بعد التخطيط في التنفيذ، وأن يكون “واثق الخطوة يمشي ملكاً” وفي رواية “يمشي نمرا”.

وفهمت أن المرء لو لم يفعل هذا فهو مجرم في حق نفسه، ومفرط في جنب الله، وخاذل للأمة، ومقصر في حق الإسلام والمسلمين.

ولأسبابٍ أتحمل وزر بعضها، ولا أتحمل وزر الآخر، لم أصل كثيراً إلى هدف وضعته لنفسي.. رغم الكثير من الخطط التي وضعتها، باستخدام كل ما وصلت إليه قواي الذهنية من آليات التخطيط الشخصي..

جربت التخطيط طويل الأمد، ومتوسط الأمد، وقصير الأمد، وضعت خططاً عشرينية وعشرية وخمسية وسنوية، وعلى الدوام كانت الأمور تتجه في اتجاه مختلف.. استشرت الكثير من الناس، من يعرف، ومن لا يعرف ولا يعرف أنه لا يعرف.. كانت هناك نجاحات جزئية، وانتكاسات شاملة. وأظن أن تلك الانتكاسات كانت ستكون أكثر وأشمل لولا وجود التخطيط، فالأهداف المستقبلية الواضحة تضغط على الحاضر فتحفظه من التفلت والضياع.

الخلاصة: لم أفلح تقريباً ولا مرةً مع التخطيط، ولا أزعم أن حياتي كانت خالية من الإنجازات، فهذا كفر بالنعمة، وغلو في التواضع، لكني أزعم بثقة بالغة.. أن معظم ما أنجزته لم أخطط له، وأن معظم ما خططت له لم أنجزه.

ربما كنتُ أنا السبب، ربما كنت أبالغ كثيراً في تقدير ما يمكنني فعله، ربما كنتُ عاجزاً عن قراءة المستقبل القريب، ربما كنتُ طموحاً أكثر من اللازم، ربما كانت المتغيرات قادرة دوماً على تقويض كل خططي وأحلامي، وربما كان هناك غير ما ذكر من الأسباب!

وفي معظم ما أنجزته لم أحقق أهدافاً جميلة، ولكن وصلت إلى نتائج جميلة، والنتيجة ليست الهدف الذي تسعى إليه، ولكنها ما تحصل بالفعل عليه. وقد يكون ما تحصل عليه في سبيلك إلى الهدف أثمن بكثير من الهدف الذي تود الوصول إليه!

رغم هذا، لم أتخلّ عن التخطيط، ولن أتخلى عنه على الأرجح، ولكن هناك -من وجهة نظر شخصية، وبناء على تجربة شخصية كذلك- أشياء أهم من التخطيط، يحسُن أن يلتفت المرء إليها إن أراد الوصول إلى شيء مما يريد في رحلته القصيرة على هذا الكوكب:

التخلي عن العادات المكبّلة:

بوسع بعض العادات أن يدمّر أكبر الخطط وأكثرها إحكاماً.. هل تريد أمثلة؟! خذ..

١. الكسل: أن تنهض ذات يوم، فتجد نفسك متثاقلاً عن إنجاز خطوة ما، ستؤدي بك إلى هدف من أهدافك.. وتستلم لتثاقلك.

٢. التسويف: أن تقول لنفسك.. إن هذا المشروع مهم، ولكن لماذا لا أتصفح الإنترنت قليلا ثم… ثم لا تصنع شيئاً.

٣. المزيد من التفكير والاستعداد: أن تقول: سأنجز هذه الخطوة، إنها مهمة جداً، ولكن يجب أن أستعد لها جيداً، ويضيع الوقت في الاستعداد والتجهيز والتحضير و، و، و…

٤. العمل في اللحظات الأخيرة: عادة قبيحة، تجعل معظم أعمالك خداجاً.. مؤداة على عجل، وبالحد الأدنى من الإتقان.. بمرور الوقت تقتلك هذه العادة، لأن هناك الكثير من الأمور المهمة التي ليست لها مواعيد نهائية واضحة..

٥. اختلاق الأعذار للنفس.. وهذا شيء فظيع للغاية، فهو يجعلك تبدو محقاً أمام نفسك كلما وقعت في تقصير ما.

٦. إدمان الشتات الرقمي: العادة القبيحة جداً، التي تشوش عليك نومك وذاكرتك وتفكيرك وتركيزك وتفسد استمتاعك بالحياة.

والحبل على الجرّار..

هذه الجرائم الستّ كفيلةٌ بإفساد أروع الخطط! والله العظيم. وأتصور أن من يعود نفسه على الحيوية في إنجاز أشغاله، ويتخلص من طاعون التسويف، ويكتسب الحس التنفيذي، ولا يؤجل عمل اليوم إلي الغد، ولا يستعبده هاتفه الذكي الذي يحيّد ذكاء البشر، سيكون أكثر إنجازاً في حياته من إنسان آخر يمتلك خطة رائعة، وهو غير مؤهل لإنجازها!

 

البدء في رحلة اكتشاف الذات:

يحسب البعض أن بوسعه معرفة نفسه بمجرد قراءة كتاب “كيف تخطط لحياتك” أو مشاهدته لمحاضرة “رتب حياتك” أو إجرائه لاختبار تحديد الشخصية في موقع جاسم الهارون. والحقيقة أن هذا هراء، فكل ما سبق من الأدوات لا يمكنه -رغم جدواه- أن يوصل المرء إلى درجة من المعرفة الكافية لنفسه.. ليست النفس بالكيان الذي يسمح لك أن تعرفه بسهولة، أو بسرعة، أو دفعة واحدة. النفس كيانٌ عميقٌ، عميق لدرجة انقطاع النفَس قبل اكتمال مهمة الغوص، لا يمكنك التعرف عليها دفعة واحدة، باستثناء أن تكون نبياً.. خذ وقتك في التعرف إليك، واستعن على ذلك بالله عز وجل، ثم بكل ما يمكنك من ذلك: بالسؤال، والتأمل، والتجربة، والمحاولة، والخلوة، والامتحانات، وتجربة نفسك، ومقارنة ذاتك بذاتك، وتحليل ماضيك، والتأمل في مواقفك اليومية، كي تعرف ما تحب وما لا تحب، وما يروقك ولا يروقك، وما يبارك لك فيه وما لا يفتح عليك فيه.. هي رحلةٌ، لا لوم عليك إذا لم تصل، لكن اللوم كل اللوم يصبح من حقك إذا لم تبدأ.

الدوافع أهم من الأهداف:

الخطة الناجحة خطة قائمة على معلومات كافية، وتوقعات صائبة، وللأسف فإن معرفتنا بالمستقبل ومتغيراته تظل محدودة، خاصة في أيامنا هذه التي يتسارع فيها التغيير إلى حد مدهش.. وتنبت من تحت الأرض فرص جديدة، لا يُلام من تخلب عينه أحيانا، كما تنبت عوائق جديدة، ومشكلات طارذة، وصوارف غير متوقعة، لم تكن موضوعة بالحسبان أثناء التخطيط.. خاصة التخطيط الشخصي، الذي يظل حظه من الإحكام النضج وصدق التخمين أقل من حظ تخطيط المنظمات والفرق المحترفة.. وبذا يظل التخطيط هشاً. وهي هشاشةٌ لا تعني أبداً أن على المرء ألا يخطط لحياته!

ما هو الأقل هشاشة من التخطيط؟؟ والأكثر صلابة ومتانة؟؟ أظن أنه الدوافع الداخلية، والبواعث الذاتية.. إنه ما يدفعك إلى العمل، ما تحب أن تمضي فيه وقتك، ما تفعله وأنت سعيد، ما تلتمتع عيناك حين يعرض لك!

الهدف يسحبك، لكن البواعث تدفعك، الهدف يضغط على حاضرك فلا يضيع، والبواعث تملأ عليك حاضرك فلا يضيع.. قد تتكلف بعض العناء حين تنوي السير إلى الهدف، لكنك تنغمس في العمل من أجل تلبية نداءات بواعثك الداخلية..

 

أشعر أني أكثرت من الكلام، وأني لم أستوف الموضوع كما يجب، فلأكمل ذلك في تدوينة قادمة.

722 total views, 2 views today

أغسطس 17, 2017

  • قلت بصوت مرتفع : ما أجمل هذا
    رغم أن التدوينة قد وضعتني في موقفٍ محرج أمام نفسي في بعض نقاطها ..
    سلم الله قلمك وسلمك يا مولانا فقد رأيت نفسي هنا !
    وأبشرك .. تراني حفظتها في المذكرات عندي .. لأني شايفك تهدد إنك ممكن تمسحها الصبح ^^

    بانتظار التكملة في التدوينة القادمة

    • أهلا صديقي الجميل، لا بأس بشيء من الحرج ما دام في إطار الذات.. 🙂
      شكراً لك، والتهديد بالمحو كان دعابة من إنسان نصف نائم وغير متأكد من جدوى ما كتب!

  • عندما تقرأ مقالة وتشعر بالاستمتاع وانت تقرأ ثم فجأة تصل لعبارة ما إن تقرأها حتى تقول بصوت مرتفع جدا يا الله وتواصل قراءتك بشغف ولا تريد أن تصل للنهاية . أعلم انك أمام كاتب محترف وصادق وواقعي جدا . أحسنت أخي وشكرا

  • منذ مدة لم أقرأ مقالة بهذه الأهمية
    لدرجة أن أقسمها على مراحل لتسهيل عملية التأمل !
    بل وأضيفها للمفضلة لمراجعتها فيما بعد ..

    كل الشكر أخي عبدالله
    مقالة فذة وتستحق النشر في أهم مجالات تطوير الذات .. بلا أي مبالغة
    لأنها تحسست موضع الألم الذي طالما جهلناه أو تجاهلناه . .
    وانطلقت من تجربة واقعية ورحلة حقيقية ومرهقة في مفاوز الحياة ومجاهل الناس،

    ثم شكرا .

  • أضف تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *