ما هو أهم من التخطيط الشخصي (٢)

إذا لم تكن قد قرأت التدوينة السابقة فارجع إليها كرماً.

تخطيط العبد وإرادة الرب:

لستُ جبرياً، ولستُ من الذين يهونون من شأن ما يمكن للمرء أن يفعله بإرادته الحرّة، ولكني مؤمن بالآية الآخيرة من سورة التكوير: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين).

إن على المرء أن يخطط لمستقبله بما يستطيع من طاقة: تخطيطاً يستعين عليه بالتعرف على نفسه وما تحب وما تطيق وتستطيع، وعلى السياق الاجتماعي الذي يعيش فيه، وعلى السنن الربانية في الناس، وعلى الفرص التي يتيحها العصر.

ولكن عليه أن يعلم أن الذي يسيّر الحياةَ ليسَ تخطيطُه، ولكنها إرادة الله عز وجل. وذلك قد لا يصنع فارقاً لدى أصحاب البصائر الكليلة، لكنه يصنع الكثير من الفوارق لدى المؤمن..

فهو يستعين بالله على معرفة خطوات النجاح، يدعوه، ويرجوه، ويتقرب إليه، ويستهدي به، ويتضرع إليه، ويتوكل عليه، تسعى قدمه في طلب النجاح، ويظل قلبه معلقاً بالفتاح جل في علاه.

وهو يستخير الله كلما همّ بخطوة مهمة من خطوات سعيه في هذه الحياة.. والاستخارة ليست مجرد طقس مكون من ركعتين ودعاء مأثور، إنها قلبٌ يفوض الأمور إلى الله، الذي يعلم ما لا نعلم، ويقدر على ما لا نقدر عليه.

وهو يرضى عن الله كلما صرف عنه شيئاً كان يريده، أو أغلق عنه باباً أطال طرقَه، مسلماً بحكمة الله في التيسير والتعسير.

وهو يلتقط الإشارات الربانية: المتمثلة في تسلسل التيسير الذي يجده المرء في باب من أبواب حياته أكثر مما يجده في غيره.. وقد قال الفاروق رضي الله عنه: من بورك له في شيء فليلزمه..

والبركةُ هي النماء والزيادة، والبركات هي السعادة، ومن المعاني التي تحوم حول مفردة البركة: الخير الكثير، والمواظبة، “يقال: باركتُ على التجارة، أي واظبت عليها”..

يحدثُ أن يخطو المرء خطوة واحدة في مشروع ما، فتتفتح له أبواب من النتائج السريعة، أو يفاجئه تيسر بعض الأمور على نحو غير مألوف في العادة، ويهوله انضمام المساعدين والمعينين من المهتمين، ويسعى في أمر ما فيفتح له من التسهيل فيه شيء لم يكن في الخيال.. ألا يحق للمرء أن يعدّ هذا الخير الكثير إشارة ربانيةً تقول له: “كل ميسر لما خلق له”؟ أقول: بلى، يحق!

في الظروف فرص لا ننتبه لها:

على المرء أن يكتسب عادة استكشاف الممكنات والفرص، لا أتحدث عن الفرص السانحة والمعترضة، فأكثر ما يعرض من الفرص الجديدة سرابٌ محض، ولكن أتحدث عن تلك الفرص المقيمة التي عاش الإنسان معها حتى لم يعد يراها من كثرة المساس! وعن تلك الفرص المغطاة بغطاء من الجهد والتعب!!

حين يجد المرء نفسه طالباً في جامعة تتيح له مكتبة ثرية، وأساتذة حكماء، وزملاء طيبين، ويجد نفسه في عائلة ينعم فيها بوالدين داعمين، وأقرب متكاتفين، ويلقى نفسه في سياق اجتماعي فيه الكثير من الأحباب، والمعارف، والمستشارين، ويجد في حوزته جواز سفر يتيح له دخول عدد من البلدان، فإنه أمام فرص كبيرة جداً.. ومعرفة الإنسان لما يمكن أن ندعوه -أوراق القوة التي في يده- شرطٌ أساس للنجاح في الحياة.. كما أن معرفة لاعب “البلوت” لأوراقه وما يمكنه فعله بها، شرط أساسي للفوز في لعبة البلوت سيئة الذكر!

ويتذكر المرء وصية الله لبني إسرائيل، وهي وصية لنا، ولم يأخذ بها بنو إسرائيل، ولم نأخذ بها أيضاً، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب: (خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون).

وأنى للمرء أن يأخذ شيئاً لا يعرف ما هو؟! وكيف لا يخجل المرء من نفسه وهو يرفل في نعم لم يحاول أن يكترث بها، وينعم بأوراق قوة لم يجرب مرةً في حياته أن يستكشف مدى قوتها؟!

الهدف ليس أكثر من ذريعة للنتيجة:

النتيجة أهم من الهدف..

والهدف الذي يضعه المرء لنفسه، ثم يسعى نحوه بكل ما أوتي من قوة؛ ليس أكثر من ذريعة توصل إلى النتيجة.. النتيجة المقدورة والمسطورة من نصيب الساعي!

الهدف هو ما نريد الحصول عليه، والنتيجة هي ما نحصل عليه بالفعل.

الهدف تقرره أنت، والنتيجة يقررها الله عز وجل! قد تكون النتيجة هي الهدف ذاته، وقد تكون الهدف وغنائم أخرى، وقد تكون شيئا مغايراً تماماً..

هل أخبرك بمثال ما؟ عملتُ في مشروع تعظيم البلد الحرام منذ عام ٢٠٠٦ حتى ٢٠١١، كان الهدف هو جني المال لإعالة أسرتي. كانت النتيجة: جني المال، علاقات وصداقات ثرية، مهارات وخبرات لم أخطط لاكتسابها قط، ثم بعد تركي للعمل بخمس سنوات، حصلت نتيجةٌ لم أتوقعها قط، دعيتُ للمشاركة في برنامج تلفزيوني ضخمٍ، لم أكن لأدعى إليه غالباً لولا أن القائمين على البرنامج عرفوني أيام عملي في مشروع تعظيم البلد الحرام.

خذ هذا المثال لرجل آخر، ليس صديقي، ولا يعرفني.. بوب بيتمان، كان هدفه.. أن يصبح طياراً، وكانت النتيجة: أن صار واحداً من صناع الإعلام، وأن يكون رئيس شبكة MTV التلفزيونية الأمريكية.

كل الوظائف التي تقدم إليها بوب لم يُقبل فيها لسبب أو لآخر، ثم حدث أن قُبل بوب في إذاعة من الإذاعات، وهناك اكتشف شغفه بالإذاعة! وكان حينها شاباً صغيراً في العقد الثاني من عمره.. وترقى بوب في العمل الإذاعي، ثم التلفزيوني، حتى صار رئيساً مؤسسا لشبكة MTV.. والشغف يا سادة شيء يظهر بعد العمل، وليس قبله كما يروج مهرجو التنمية البشرية.. وللشغف حديث طويل قادم إن شاء الله.

الخطة الأولى هراء:

يقول ستيفن كوفي في مقدمة “العادة الثامنة” بعد حديثه عن المسودة الأولى لذلك الكتاب:

كانت تلك اللحظة التي عرفنا فيها ما يكتشفه المتسلقون غالباً حين يبدؤون بالفعل تسلق الجبال، لم نكن قد قاربنا القمة على الإطلاق، فقط وصلنا قمة أول هضبة، ومن خلال هذا الموقع الذي اكتسبناه بجهد كبير، أصبحنا قادرين على رؤية أشياء لم نرها من قبل على الإطلاق، أشياء لم يكن ممكناً رؤيتها إلا من قمة هذا التل، ومن ثم وضعنا رؤيتنا عن لبجبل الحقيقي وبدأنا الصعود من جديد.

بالضبط! الخطة المثالية لا تأتي قبل البدء بالعمل، لأن معرفة المرء لحدود إمكانياته لا تكتمل إلا بعد خوض التجربة، أليس القول السائر يزعم أن التجربة خير برهان؟!

أنت حين تعمل على تنفيذ هدف ما، تصل من خلال التجربة والممارسة والسعي إلى مفاهيم وحقائق جديدة.. يزيد معها إدراكك للأمور على نحو يجعل االخطة المرسومة غير صالحة للاستخدام، لأنها وُضِعت بناءً على مستوى من الرؤية والبصيرة أقل بكثير من المستوى الذي أنت عليه الآن، التخطيط الحقيقي لا يتم إلا بعد تجربة ومراس!! إلا بعد صعود التلة الأولى! كما فعل المتسلقون، وكما فعل ستيفن كوفي وفريقه!

تعبتُ من الكتابة، لنا حديث قادم فيما يبدو!

343 total views, 2 views today

أغسطس 18, 2017

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *