الفرص

يروى عن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “الفرصة تمر مر السحاب، فانتهزوا فرص الخير”.

وهو تصوير لطيف.. يصور الفرصة كغيمة عارضة.. تسبقها مبشرات من الرياح، التي يدرك الفطن من هبوبها أن ثمة غيما في الطريق..

ويصور الفرصة كغيمة.. تعترض الأفق من أوله إلى منتهاه، قد يمكن للمرء انتهازها من أول مرورها، أو التريث قليلاً  قبل اللحاق بها، أو رؤيتها وهي تمر حتى تغيب عن العين!

وهو تصوير بارع، يجعل الفرصة مثل السحابة التي قد تمطر، وقد تكون مجرد باعث على السرور بالمطر الذي يترقبه الناس ثم لا يهطل منه شيء..

وهو تصوير بليغ.. يجعل الفرصة غيمةً جوالةً.. تمر بك، فإذا لم تلق لها بالاً انصرفت إلى غيرك!

وأود في هذه التدوينة أن أتحدث عن أنواع من الفرص.. مؤملا أن يكون حديثاً مفيداً، ومعيناً على إعادة فتح العين وتنشيط حاسة البصيرة!

١. الفرص البديهية:

هي تلك النعم التي ننسى أنها فرصٌ، ذلك أننا  حين نعتاد النعم ننساها تماماً، فلا نكترث بها!

كوننا لا نزال على قيد الحياة.. حريتنا في الحركة والنوم والاستيقاظ وتكوين العلاقات والاطلاع على المعرفة، وقت الفراغ، الشباب والقوة البدنية، العافية، الوضع المادي غير المضطرب، إلخ.. كل هذه النعم -التي لا نتذكرها غالباً- فرصٌ حقيقية لنكون أفضل.. على كل صعيد متاحٍ لنا في هذه الحياة.

ويحسن بنا أن نتذكر هذا اللون من الفرص كلما مررنا بحالة إحباط، أو نشدنا هدفاً ما ولم نصل إليه.. فيكون جميلاً أن نذكر أنفسنا أننا لا نزال نملك الكثير، وأننا لم نخسر كل شيء..

٢. الفرص الكريهة:

هي تلك المآزق التي تجبرنا على التفتيش عن خيار آخر، فتتفتح أمامنا فرصٌ جديدة.. فيكون غلق باب ما.. هو الوسيلة الوحيدة التي تفتح عيوننا على العشرات من الأبواب المفتوحة!

على سبيل المثال.. لنتخيل أنك قصدت مطعماً في مكان ما من مدينتك، وحين وصلت إلى باب المطعم وجدت أنه قد أغلق.. لا تملك الكثير من الوقت كي تذهب إلى مكان آخر، ولا مناص من استكشاف المنطقة المحيطة بالمطعم لعلك تعثر على مطعم آخر.. وبالفعل وجدت بالقرب مجمعاً يضم عشرة مطاعم رائعة..

دعك من مثال المطعم إن شئت، فأنا أكتب هذه التدوينة في حالة من الجوع الذي يفسر حضور المطعم في الذهن، وتأمل مجريات حياتكو وستجد غالباً أن ثمة باباً أغلق في وجهك، وكان هذا الغلق فتحاً مبيناً، لأنه دلك على طريق آخر.. إن تذكرت شيئا من هذا القبيل فضعه في التعليقات كرماً..

يحكي ستيف جوبز عن فرصة كريهة عرضت له بعدما طُرد من مجلس إدارة شركة آبل التي أسسها هو..:

أدركت أن طردي من ابل كان أفضل شيء يمكن أن يحدث لي. ذهب عني العبء الثقيل للنجاح، وحل مكانه سهولة وخفة البدء من جديد، ما حررني لكي أدخل في واحدة من أكثر مراحل حياتي إبداعا وعبقرية.

خلال السنوات الخمسة التالية، أسست وبدأت شركة نكست NeXT ومن بعدها شركة أخرى سميتها بيكسار Pixar، ووقعت في حب امرأة رائعة أصبحت زوجتي الآن. شركة بيكسار أبدعت أول فيلم رسوم متحركة جرى تصميمه وإنتاجه بواسطة الحواسيب في العالم: فيلم توى ستوري أو قصة لعبة، والآن تعتبر بيكسار أنجح وأفضل ستوديو تصميم رسوم متحركة في العالم. في تطور مذهل للأحداث، اشترت ابل شركة نكست وعدت إلى ابل في وظيفة المدير التنفيذي CEO وأصبحت التقنية التي طورتها في شركتي نكست هي الأساس الذي بنت عليه ابل نهضتها ونجاحها من بعدها، وأسست أنا و لورين – زوجتي – أسرة رائعة.

بوسعك قراءة الخطبة كاملة هنا

٣. الفرص الهاربة:

 

هي كل فرصة غير مؤكدة.. قد تصرفك عن الفرص الحقيقية المتاحة بين يديك.. ثم لا تلبث أن تتبخر أمامك أو تختفي من أمام عينيك..

يقول الشيخ سلمان العودة في مقالة رائعة تحت عنوان “فرص هاربة“:

الحياة ترشد إلى أن 80% من الفرص التي تعرض لك؛ هي فرص هاربة، وإن كان هذا يتفاوت من إنسان لآخر، فالنسبة هي حسب تقديري الشخصي المحض.

يكفي أن تظفر ب 20% من الفرص، وتقبض عليها، وتطوّرها، وتهتم بها، فهي مادة نجاحك، وخريطة إنجازك، لا تستهن بها وإن كانت صغيرة، فميزتها أنها متاحة، ولا حاجة للبكاء على فائت، وميزتها أنها مستسلمة لك, قابلة للعمل لديك حتى تهجرها أنت, وتذهب إلى أخرى أكثر شباباً وجمالاً ودلالاً، لتذهب هي إلى المعاش راضية قانعة، وعيبها أنها صغيرة!

وميزتها أنها فرص تصنعها أنت، وليس تنتظر الآخرين أن يصنعوها، أو يقدموها لك، أو حتى يساعدوك عليها.

تاريخ الإنسان تصنعه الفرص الصغيرة المتاحة التي يعمل عليها، وليس من الحكمة أن يحتقر المرء هذه الفرص أو يزدريها, ويمدّ عينه إلى ما عند الآخرين، فكل ميّسر لما خُلق له، والصواب أن تقبض على فرصتك الصغيرة، وتعتبرها حظك من الفرص، فتستمتع بها، وتسعى في تطويرها، وضبطها وإتقانها، وحين يعرض لك ما هو أفضل وأجدى فحاولْه؛ فإن الطموح سرّ النجاح، لكن دون أن تترك ما في يدك من الأعمال المحققة، والفرص القائمة المنتجة؛ لأنك ستكتشف أن 80% من هذه الفرص التي عَرَضَت لك، أو عُرِضت عليك هي “برقٌ خُلّب”!

ولا بأس أن يقع الإنسان في مطب الفرص الهاربة مرتين أو ثلاثاً، حتى يتعلم الاتزان ويتصنع التأبي والتمنع أمام الفرص التي تعرض له!!

٤. الفرص المبعثِرة:

هي تلك الفرص الحقيقية الكثيرة.. التي تنادينا جميعاً فنلبيها جميعاً، ونفقد ميزة التركيز وفضيلة جمع النفس على مشروع واحد أو مشاريع قليلة.. وهذا الشتات فيما أحسبُ آفةٌ حقيقية يقع فيها ثلاثة أصناف من الناس:

١. الذين تحكم الفرص تفكيرهم بدل البوصلة الشخصية.. فالواحد منهم لا يعرف ماذا يريد بالضبط، ولا يدرك الحقل الذي يريد أن يترك فيه أثراً حسنا بعد رحيله من هذه الحياة.

٢. الذين يتمتعون بتعدد المواهب وكثرة الملكات، فالواحد منهم مشتت النفس بين نوازع مختلفة في داخل دماغه.. ولم يصل بعد إلى حالة التوازن الذي يمكّنه من تحديد أولوياته، وترتيب اهتماماته الكثيرة بحيث يعرف المركزي منها والهامشي.

٣. الذين لا يستطيعون قول “لا” لأحد من الناس.. ولديهم مقدارعال من روح الخدمة و”الفزعة” ونفع الآخرين.

ولأن الإنسان محدود العمر والطاقة، فإن هذا الصنف من الناس لا يترك -في تقديري- أثراً عميقاً في كل الحقول التي ينشط فيها.. ولو أنه ركز جهده لكان أثره ضخماً وكانت بركة عمله أكثر..

٥. الفرص المظلومة:

هي فرصٌ تعرض علينا نفسها، تفتح لنا أبوابها، وتنادينا، لكننا نتعامى عنها عمداً، أو نفقد القدرة على الانتباه لها بسبب عدم الاهتمام.. وسبب هذا التعامي هو الالتزام الصارم بخططنا الشخصية مع الجمود الذهني الذي يجعل كل فرصةٍ عارضة خطراً يهدد خططنا بالانهيار..

وقد يكون هذا صحيحاً في أحيان كثيرة، ولكن علينا أن ندرك أن أفضل الفرص قد يأتي عارضاً في منتصف رحلتنا إلى هدف ما، وأن النتيجة أهم من الهدف، ولا يضير المرء أن يكتشف نفسه فجأة، وأن ينعطف انعطافة مفاجئة إلى طريق جديد قد يكون هو رزقه وبابه الذي يدخل منه على النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة..

أخيراً..

هل مرت بك في حياتك فرص من هذه الأنواع الخمسة المذكورة في التدوينة؟ أكرمني بكتابة ما تتذكره منها..

411 total views, 1 views today

أغسطس 19, 2017

  • حين فكرت قليلاً تذكرت ما حصل معي قبل ما يقارب الأربع سنوات ، كنت أعمل في جهة ما تبعد عن مسكني أكثر من 30 كلم ، حدثت مشكلة بيني وبين مشرفي اضطرتني لترك العمل على ما فيه من مزايا ماديًا واجتماعيًا ، وتركت المنزل كذلك بعد سنة وثلاثة أشهر قضيتها فيه لأبحث عن بيت أقرب وأقل تكلفة ، خرجت من عملي ومن منزلي دون أن أكتسب أي معارف جديدة ، وكنت أتعرض للضغط يوميًا في بيئة عملي .. بعد أن انتقلت وتركت عملي السابق والتحقت بعمل آخر استعدت الكثير من العلاقات التي فقدتها مع الزمن دون تعمد مني ، اكتشفت أن معظمهم يقطنون في الحي ذاته الذي انتقلت إليه ، وعرض علي العمل في 3 أماكن مختلفة ، واتسعت دائرة علاقاتي عن طريق علاقاتي السابقة في الحي ذاته!

    مقالة بألف دورة تنمية ..
    ممتن لك .

    • أهلا علي، تذكرت مقولة أحد السلف: “ربما منعك فأعطاك، وربما أعطاك فمنعك”.. حييت وسلمت.

  • أضف تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *