المصافحة الأولى لإسطنبول!

(١)

يقولون إن الأماكن الجميلة تجعل منك شاعراً.. وتطلق قريحتك فتكتب! الحقيقة أن هذا لم يحدث معي في إسطنبول، فكم حاولت أن أكتب فيها، ولها، وعنها، ولم أوفق إلى الكثير.. كتبتُ فقط بضع مواد لصحيفة الرياض التي كنت صحفياً بها، كان واحد منها عن انبعاث اللغة العربية في تركيا..

عشت في تركيا شهر ذي الحجة (١٤٣٧) سبتمبر (٢٠١٦)، قضيته في إسطنبول، باستثناء ليلة أو اثنتين في أنطاليا، وأسبوع في طرابزون، وليلتين في بورصة. سحرتني إسطنبول كما لم تفعل مدينةٌ من قبل، ولا أدري إن كانت ثمة مدينةٌ أخرى قد تفعل هذا من بعد. وعلى رغم ذلك وجدت في قلمي وأنا في إسطنبول جفافاً غريباً لم أعهده بين الصحاري القاحلة والجبال الجرداء!

كنتُ أخبر صديقي الجميل عمر فلاته عن هذه المدينة التي شلّت قلمي، فقال لي: لعلك كنتَ تستقبل الجديد والمدهش من سحر إسطنبول، لقد تحولت إلى جهاز استقبال، لا يستطيع أن يرسل شيئاً، فهو مشغول بمشاهدات مدهشة وغير مألوفة. أقنعني هذا التحليل.

بعد قرابة عام على مصافحتي الأولى لإسطنبول، أكتب عنها اليوم!

(٢)

قبل السفر بأسابيع، جلستُ مع صديقي إبراهيم سرحان، الذي قال لي عن إسطنبول: إنها أجمل مدينة رآها في حياته!

قد يكون عادياً أن يطلق أحدهم هذا الحكم على إسطنبول، لكن حين أسمعه من إبراهيم فسيكون وقعه في نفسي مختلفاً، فإبراهيم رحالةٌ من طراز فريد جداً، أكثر من جداً، طاف في العالم كثيراً، ومر بالكثير من المدن في آسيا وإفريقيا وأوروبا والأمريكتين، ولم تسلم منه كوريا الشمالية ولا جزر الآزور ولا مضارب الطوارق في أعماق الصحراء الكبرى!

كان هناك أيضاً الكثير مما يحفز إلى رؤية إسطنبول، فهناك التاريخ.. الذي كنتُ مغرماً به، التاريخ العثماني خصوصاً، وهناك البطل الذي ملأ حياتي في مرحلة المراهقة، السلان عبدالحميد الثاني، وهناك أيضاً ذلك الكم المهول من المعارف والأصدقاء الذين أدمنوا إسطنبول، ولهجوا بالثناء عليها بكرة وعشياً، وهناك رغبةٌ في البحث عن وطن ثان يقضي فيه المرء ما قسم له من أيامه.. وهناك إضافة إلى ذلك.. ابن بطوطة الصغير الذي يختنق في داخلي، والذي ما عادت تشبعه تلك السفرات المتتالية التي يفرضها عملي، في داخل السعودية، التي زرت تسعة أعشار مدنها، وضربت كبد سيارتي في شمالها وجنوبها وشرقها وغربها ووسطها.

بعد فصول يطول ذكرها، ولا يعني القارئ ربما، وبعون الله ابتداءً، ثم بالإخوة الأصدقاء الذين أكرمني الله بهم، بإشارتهم، وعونهم، وأفكارهم، ونصحهم، وتشجيعهم.. تحدد ميعاد السفر، ثم كان.

(٣)

مرهقاً تعباً، بحقيبة ظهر صغيرة، ليس فيها إلا طقم واحد من الملابس، والقليل من المستلزمات الشخصية، وجهاز الحاسوب، والآيباد الذي جعلته مكتبتي؛ وفي ذاتِ فجرٍ.. كنت في جوف طائرة تحلّق فوق “الدوحة” العاصمة القطرية التي كانت لي فيها أيامٌ قبل أعوام.

بعد ساعتين من الانتظار في مطار حمد، الضخم المهول، انطلقت طائرتنا من الدوحة إلى إسطنبول، مر الوقت بطيئاً، لم يتح لي النوم الذي كنت أحتاجه، ثم تدلت الطائرة مقتربة من الأرض، وبدت إسطنبول! بدت مدينة غاطسة في بحر من الخضرة، بيوت كثيرة جداً، يغطي كثيراً منها ذلك القرميد الأحمر، هبطت الطائرة في مطار صبيحة، كلي شوقٌ إلى إسطنبول.. مرحى!

في صف الجوازات بالمطار مرّ الوقت بطيئاً، ضابط الجوازات ختم على جوازي، ثم تردد، وسألني بالإنغليزية: من أين أنت؟

“من تشاد”. أجبتُه، كرر السؤال، وكررت الجواب، أعاد النظر إلى الجواز ثانية، قام بفحصه، دعاني إلى الانتظار قليلاً يثما ينتهي من الواصلين المصطفين ورائي، ولم يطل الانتظار، لكني قلت لنفسي: ليس جيداً أن يعيدوني الآن مع أقرب طائرة قبل أن أنام على الأقل!

أخذني الضابط إلى مكتب في ركن صالة الوصول، سألني ثانية: من أين أنت؟ وكررت الإجابة. كان جوازي يمنحني كما يزعم قارئ البروكود الجنسية السعودية، وهو خلل تقني سخيف في جوازي، اتصل الضابط بضابط آخر، وخلال نصف ساعة تقريباً اجتمع على رأسي خمسة ضباط أو ستة، وتم فحص جوازي بدقة، قبل أن يسمحوا لي بالدخول.

كان تعاملهم لطيفاً، وأنا الذي طالما سمعتُ عن فظاظة الأتراك وجلافة طباعهم! اشتريتُ شريحة بيانات، وغادرت المطار إلى مجمع “فيابورت” لأشتري ملابس، لم أكن قد حملت معي ملابس عدا ما أرتديه، تجولت في ذلك السوق، اشتريت طقمين من الملابس، وتغديت، ثم عدت إلى مطار صبيحة بسيارة أجرة، لأنتظر الحافلة المتجهة إلى منطقة “تقسيم” حيث أسكن.

في تمام السادسة، انطلقت الحافلة، وأخذت الشمس تتأهب للمغيب، في الثامنة إلا ثلثاً كانت الشمس لا تزال تتأهب للمغيب! كانت إسطنبول أضخم مدينة رأيتها في حياتي، بدت الرياض، على ضخامتها، وكأنها قرية! بعد ساعتين وقفت الحافلة في منطقة تقسيم، نزلت، وفي زحام المشاة على أقدامهم مشيتُ. مستعيناً بالصديق العزيز جوجل مابس، إلى “هوستيل” كنتُ قد حجزت فيه ليلة واحدة، تضاعفت إلى ليالٍ كثيرة.

(٤)

عبدالإله الصبحي، وأخوه عبدالباري، رفيقا الرحلة في أيامها الأولى، سبقاني إلى إسطنبول، والتقينا في غرفتنا بهوستيل “بنك تقسيم”، والهوستيل خيارٌ لا مثيل له لمن أراد تقليص نفقات السفر، لا تحجز فيه غرفة، بل سريراً في غرفة يشاركك فضاءها نزلاء آخرون.

السهرة الأولى كانت مع الأستاذ باسم اللحياني، الذي يعرف إسطنبول كما يعرف منزله، التقينا في ميدان تقسيم، شربنا القهوة في “حافظ مصطفى”، وتعشينا في مطعم أتذكر مكانه لا اسمه، لم يبهرني الطعام التركي، ولم أجد فيه ما كنت أسمعه عنه من تمجيد وثناء. ليس سيئاً، إنه جيد، لذيذ، نظيف، مكوناته حسنة، ولكنه دون التوقعات! كانت الصفعة: انطباع الناس عن مدينة ما، ليس هو انطباعك بالضرورة!

(٥)

الإفطار التركي شيء غير قابل للتفسير، مفرداته مألوفة، لكن مجموعه غير مألوف!! خبز، أنواع من الجبن، أنواع من المربى، قشطة وعسل وزيتون، طماطم وخيار، بيض، ثمة شيء ما، لا أعرف ما هو بالتحديد، يجعل تجربة الإفطار في إسطنبول مختلفة، بعده يأتي الشاي، والشاي حكاية أخرى.

بعد الإفطار مشيت كثيراً مع الرفيقين اللطيفين، مشينا من تقسيم حتى بلغنا ميناء بشكتاش، افترقنا، وظل هذا دأبنا، نفطر صباحاً، ونفترق لنلتقي مساءً حين يقسم الله لنا اللقاء.

وقفت عند موقف الحافلات، وجدت رجلاً سورياً، فسألتُه عن السبيل إلى ميناء كاباتاش، قال لي: اجعل البحر يسارك وامش، ستمشي نصف ساعة أو نحوها، وإن شئت انتظار الحافلة فستصل بعد عشرين دقيقة.

شكرته ومضيت، إسطنبول تجبرك على أن تمشي، المشي فيها من متع الحياة وملذاتها، كان الجو لطيفاً للغاية، في وضح النهار، والمناظر الجديدة على العين تتوالى، كل شيء مختلف، تنسيق المعروضات في المحال والدكاكين، ملامح الناس، ملابسهم، لوحات السيارات، الأرصفة والطرقات والمباني، الأشجار الضخمة التي لا أردي متى غرست! وفجأة رأيت عن يساري بوابةً مألوفة! كان قصر “دولمه بهجة” الذي كان مقر السلطنة العثمانية في أيامها الأخيرة، باذخ بذخاً ذليلاً، الشرفة الزجاجية التي قرأت عنها، بدت لي، برج الساعة الشهير على مدخل القصر، ثم كانت وقفتي الأولى على البسفور!

كل شيء في إسطنبول ينبض بحيوية، ماء البسفور مختلف، كان الغيم يملأ السماء، والبسفور تتلاطم أمواجه حتى تكاد تلامس الرصيف.. بعد أن قضيت وطري ركبتُ الترامواي للمرة الأولى، وظل يمضي بنا، وأنا أتفرج، وأشاهد جوامع كالجبال، وقد وجدت رجلا تركيا إلى جانبي كنت أسأله عن أسماء الجوامع، كان بعضها بعيداً، وبعضها قريباً، وكلها مهيباً، أشار إلى جامع فوق، بعيد.. شامخ، جميل، وقال: جامع السليمانية. قلت في نفسي: سأزروره إن شاء الله، وقد فعلت فيما بعد مراراً.

(٦)

وصل الترام إلى محطة السلطان أحمد، نزلت، وكان ينتظرني الأستاذ ياسين اللحياني، الصديق العزيز، والعاشق لإسطنبول المتيم بها، أمضيت برفقته سويعاتٍ جميلة في محيط السلطان أحمد، هذه أيا صوفيا، وهذا جامع السلطان أحمد، وذلك الطريق يحتوي على آثار ومعالم، المسلة، السبيل الذي بني تذكارا بمناسبة زيارة القيصر الإلماني لإسطنبول أيام السلطان عبدالحميد الثاني، في حديقة توب كابي شربنا القهوة التركية، وفي داخل جامع السلطان أحمد أراني مرشدي السياحي المدعو ياسين دقائق لم أكن لأعرفها لولاه.. ودعته بعد ذلك ميمماً البحر كي أذهب إلى جزيرة بيوك أدا، إحدى جزر الأميرات..

(٧)

ما لكم في الطويلة!

قضيت في إسطنبول أياماً جميلةً، استمتعت باكتشاف الكثير من الأماكن، ولقاء الكثير الكثير من الأصدقاء صدفةً! كانت أياماً جميلةً جليلة.. ولا بد من تكرارها.

(٨)

– ماذا تقول يا خواجا في طرابزون؟

– أقول تحت زخات المطر: لا سحر يعدل سحر اسطنبول.

– هل هواؤها أندى؟

– لا.. ليس الهواء، ولكنه الزحام.

– ولكن يا خواجا.. ألست تكره الزحام؟

  • لا أتحدث عن زحام البشر في اسطنبول، وهو زحام يرفع الضغط حقا، بل عن ألوان من الزحام.. زحام العبق التاريخي، وزحام المآذن، وزحام الذكريات، وزحام الأمجاد، وزحام البشريات بخير قادم.. حتى الهواء في اسطنبول يحمل نكهة أخرى، وحتى الماء فيها من صفائه لا يرتوي منه الشارب حتى يمتلئ به دون أن يمله.

(٩)

مرةً جلستُ أقرأ مذكرات عائشة ابنة السلطان عبدالحميد الثاني.. كنت جالساً على الرصيف أقرأ، والهواء البارد يصفق أذني من يمين وشمال، والترام يسعى أمامي ذاهباً عائداً.. يمر بي حاملا الناس من كاباتاش إلى ما لست أدري، ثم يمر بي من ما لست أدري إلى كاباتاش، فلا يسلم ولا أرفع إليه رأسي..

وخلف الجدار يرقد السلطان عبدالحميد، أشعر به ولو لم يشعر. كان بعيداً على قرب، قريباً على بعد..

تلك سويعات لا أنساها.

(١٠)

في آخر أيامي بإسطنبول كتبت:

أظن أن شهراً من الحياة في بلدٍ ما، يكفي ليفتح عينيك على حقائق لا تظهر للزائر الطارئ، ولا السائح العجل الذي تزدحم ساعاته بالجولات واللهث تحت ضغط الوقت.

شهرٌ قضيتُه في تركيا، أعدّه تجربةً ثريةً، وإضافةً تستحق الكثير من الحمدلة والشكران.

بحقيبةٍ صغيرة أحملها على ظهري حيناً، ويبدي حيناً، بثلاثة أطقم من الملابس، وبحفنةٍ قليلة من المال، وعين متفتحةٍ جيداً، تعلمتُ الكثير.

ولكن، من أكثر ما ترسخ في وجداني بعد هذه الأيام.. أمور عدة:

١. أن للمدن أرواحاً كأرواح بني آدم، وأن فيها ما يُحبك وتحبه، وما يكون الحب فيه من طرف واحد، وأن أثر العمران والبنيان في وجدان الإنسان عظيمٌ عظيم.

٢. أن أرض الله واسعةُ الأرجاء، واسعة الفرص، واسعة الصدر، جمّة التنوع.. وأن هذه السعةَ لا تراها عين القاعد ولو كان نظره ستة على ستة.

٣. أن لله حكمته في تقسيم الأرزاق، ومن جملة الأرزاق: الجمال والمال واللطف والحب والشجر والمطر والتواضع والإيمان.

٤. أن بوسع المرء أن يعيش بالقليل القليل من الممتلكات، والقليل القليل من المقتنيات، وأن “زاد الراكب” يمكن أن يكون أسلوب حياةٍ حقاً.. وأن أكثر ما نملكه؛ نملك أن نستغني عنه.

٥. أن بوسع المرء العثور على المزيد من الــ”أركداشلار” والإخوة والأصدقاء أينما حلّ.. وفي هذا ما يضيف إلى سعة الأرض سعة مضاعفة..

٦. أن أشد المساجين عناءً.. من حُبس في لغةٍ واحدة!

٧. أن البلاد تتفاوت في صلاحيتها للمعيشة، وأن لكل بلدٍ مزاياه، كما له معايبه..

ربنا.. آتنا من لَّدُنك رحمةً، وهَيِّئ لنا من أمرنا رشدا، ووطنا، ورزقاً حسناً.

(١١)

في منتصف الرحلة كتبت:

كل تعميمٍ خاطئ، حتى قولنا: كل تعميم خاطئ.

كنتُ قد سمعتُ الكثير الكثير عن “جلافة” الشعب التركي، وضيق عطن الناس في تلك البقعة من الأرض، وازدرائهم للعرب وما يقرب إليهم، وسمعت الكثير عن احتيال سائقي التكاسي، وامور أخرى.

وقدر الله علي أن أستفتح وجودي في تركيا بوقفة طويلة عند ختم الجواز، بسبب خلل فني في جواز سفري، ولم أجد من الضباط -والعسكر أولى الناس بالقسوة- إلا اللطف البالغ والابتسامة.

ثم لما غادرت المطار ركبت سيارة أجرة، وكنت أنتظر حركة احتيال لم تقع.. كنتُ أتعمد سؤال الناس عن موقع المسجد مثلا، ورغم حاجز اللغة كان الغالبية يفزعون فزعة الخوي. في الأسواق والمطاعم والمقاهي والمكاتب كنت أطيل التردد وأصطنعه أحياناً لأبحث عن تلك القسوة وذلك الغضب دون جدوى.

ولأن “اللي يدور على العفريت يطلع له” فقد انفعل علي رجلٌ مسن لأَنِّي انتعلت حذائي وأنا أغادر المسجد في مكان غير المفترض، وصفني بالجنون بإشارة من يديه، وجذبني بيدي جذبة شديدة وشرح لي “جريمتي” بكلماته إضافة إلى لغة الإشارة. اعتذرت له بوضع يدي على صدري مع انحناءة بسيطة، يبدو أن اعتذاري المبكر جاء على غير هواه فتقبله على مضض وإن كانت ملامحه توحي برغبته في مزيد من الكلام.

مع مرور الأيام وجدتُ عيناتٍ تتعامل بضيق شديد مع كل من لا “يفهم”، وجدت ناساً سريعي الغضب بشكل مدهش، لم أتعرض بحمد الله لغضبة أخرى بخلاف تلك التي حكيتها آنفاً.

لا أود أن أثرثر أكثر، لكن علينا ألا نصدق تلك السمات التي تطلق على شعوب بكاملها؛ لأنها ليست صحيحة بالضرورة.. الشعب الفلاني محتال، والشعب العلاني كذوب، والشعب الفلتاني كسول، والشعب الزعطاني غبي، إلى آخره.

(١٢)

أثناء الرحلة كتبت:

مررتُ بشرطيٍ تركي، فقلت له: “سلامٌ عليكم”، وهي تحيتهم، وأظنهم يحسبونها تركيةً قُحّةً. فقال الشرطي: “وعليكُم سلام يا أخي”.

والله لقد فعلت بي كلمة “يا أخي” الأفاعيل، وقد ندمت الآن على أني لم أعد إلى الشرطي فأعانقه.

“يا أخي” كلمةُ سرٍ تربط بين اثنين لا يلتقيان إلا في صلب نوح عليه السلام.. ما أعظمها من كلمة، وما أجمله من دين.

(١٣)

جربتُ ذات مرة أن أركب المترو، وأنزل في محطة عشوائية بشرط ألا يكون السياح قد ذكروها في تقاريرهم المكرورة..

نزلت، وكانت كرّة خاسرةً.. كانت المحطة تفضي إلى شارع مليء بالأبراج المكتبية. عدت ثانية إلى المترو، نزلت في محطة أخرى، أو صعدت منها بالأصح، وجدتني أصعد إلى حي سكني يغطس وسط بحر من الشجر، أوغلت في الحي لنصف ساعة من المشي، دخلتُ مطعماً صغيراً إلى حد أنه يحتوي طاولتين وحسب، طلبتُ وجبةَ شواء، تغديت بخمس عشرة ليرة، وعدت أدراجي، لم أستعمل الكاميرا ولا مرة، رأيتُ ما لم يره أحد من السياح، رأيت حياة حقيقيةً، حارة فيها أم تخرج بطفلها للنزهة، وعائلة تغادر محل الحلوى بما يلزم للعيد، وفتاة تطلب غداءها من مطعم، وطفلين يلعبان لعبة ما بحبلٍ ظريف. وعدت لمسكني راضياً.

(١٤)

أمنيةٌ قديمةٌ تحققت بفضل الله.. زيارةُ أمير المؤمنين السلطان عبدالحميد الثاني، والسلام عليه، والدعاء له.. وكلماتُ حبٍ وإجلال لا أدري تبلغه أم لا.

(١٥)

نلتقي في مصافحة أخرى مع إسطنبول، أرجو أن تكون قريبة.

550 total views, 1 views today

أغسطس 22, 2017

  • ماشاء الله،،تبارك الله
    لقد زدتنا شوقاً على شوقنا لزيارة هذه المدينة الجميلة.

  • مقالة ثريّة يا مولانا ، لابُدّ لها من جزءٍ ثانٍ يكمل هذا الجمال 🙂

    متابع .

  • أضف تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *