الفجوات، ووقتنا الضائع

 

“أقول دائماً إنني قادر على استخدام الفواصل. هناك فضاء كبير بين الذرة والذرة، والإلكترون والإلكترون، ولو أننا قلصنا مادة الكون بإلغاء الفراغ بينها فسوف ينضغط الكون إلى كرة. حياتنا مليئة بالفواصل، أنت ضربت الجرس هذا الصباح، ثم كان عليك أن تنتظر المصعد، ثم مرت ثوان عديدة قبل أن تظهر لدى الباب. خلال هذه الثواني التي كنت أنتظرك فيها كنتُ أفكر في القطعة الجديدة التي أكتبها. أستطيع أن أعمل في أي مكان، في المرحاض، في المطر، أنتج وأنا أسبح الكثير من الأشياء، لا سيما حينما أسبح في البحر. ويكون إنتاجي أقل في المسبح، ولكن يكون هناك إنتاج أيضاً”.

أمبرتو إيكو، بيت حافل بالمجانين.

حسناً، ببساطة شديدة، لم يكن إيكو يزدري الفراغ، ولم يكن يحتقر الثواني المعدودات، أو الدقائق القليلة، التي تطير هباءً بين نشاط وآخر.

وأحاول في هذه التدوينة أن أفهم ما كان إيكو يفعله بوقته، وأن أشرّح فعله ذاك تشريحاً يجعل القتداء به في هذه الفضيلة أيسر وأسهل فهماً وأدومَ.

  1. عادةٌ ذهنية:

من المعروف عن أمبرتو إيكو غزارة إنتاجه ورصانتُه، ولا ريب أنه طوّر ونمّى عادة ذهنيةً جعلت منه إنساناً يعمل ما دام مستيقظاً.

يحصل هذا معنا كثيراً حين نؤجل إنجاز عمل ما إلى اللحظة الأخيرة، ثم نضغط أنفسنا وأعصابنا ووقتنا ومن حولنا من الناس من أجل إنجاز العمل، وتفلح هذه الطريقة دائماً للأسف الشديد. (وأحسب أن علينا العمل جاهدين على التخلي عن عادة التسويف، والالتزام بإقفال الملفات المفتوحة في أقرب وقت ممكن. فمن ينجز عمله مبكراً يجد الفرصة لتحسينه وتطويره، وربما إعادته من أوله مرة أخرى.)

حين أسافر؛ يحضر الوقتُ في وجداني ويضغط على ذهني على نحو ملح ومزعج، فأغدو أكثر انشغالاً، وأكثر استثماراً للثواني فضلاً عن الدقائق والساعات، ولذا أحب أن أسافر وحدي، لأن الرفقة كثيراً ما تكون عائقاً دون الشعور بسيف الوقت، ومروره البطيء الذي يمكن استثماره من أجل الظفر بما يمكن من الإنجاز.

ويمكن اكتساب وتطوير عادة “اعتصار الوقت إلى أقصى حد” بالتدريج، بتحديد مقدار زمني من اليوم لا يسمح المرء فيه لنفسه بتضييع شيء من الوقت ولو كان دقيقة أو نحوها.. أو يوم في الأسبوع، أو خلوة عمل كل بضعة أسابيع، أو رحلة طويلة كل سنة، تمتد أياماً ننجز فيها مشروعاً شخصياً، قد يكون قراءة كتاب مطوّل، أو فهم موضوع، أو إنجاز بحث، أو قراءة ختمة، أو غير ذلك.

  1. هدر الوقت:

خفض الهدر ومكافحتُه علمٌ محترم.. يختص فيه بعض المستشارين ويمارسونه على نحو يثير العجب والإعجاب معاً، وإحدى الأفكار المركزية لدى هؤلاء النفر: أن الهدر الكبير قد يكون ناتجاً عن هفوات صغيرة لا يعبأ بها أحد، متر مربع زائد يضاف إلى البناء، ماذا عساه يفعل؟ مصباح زائد عن الحاجة، نافذة أكبر مما يجب، رخام ثمين يوضع في سلم الطوارئ، وهكذا، فتات من الإجراءات الصغيرة التي لا تعنى بمفردها أي شيء، يندهش المرء حين يعرف مقدار ما تسببه من خسائر على المدى البعيد أو المتوسط.

وكذلك الأمر في الوقت، فثمة الكثير من الهدر الذي نمارسه في حق الوقت.. وهاكم بعض الأمثلة:

  •  كم هو الوقت الذي يمضيه الإنسان كل يوم وهو يبحلق في شاشة الجوال؟! أخبرني أحد الأصدقاء أنه وضع برنامجاً يحصي عليه ما يقضيه من الوقت في مشاهدة كل تطبيق من تطبيقات الهاتف، فوجد أنه ضيع أكثر من ٨٠٠ ساعة في السنة على الواتساب، وأكثر من ٣٠٠ ساعة على الفيس بوك، وأكثر من ٢٠٠ ساعة على انستغرام، وأكثر من ٦٠ ساعة على تطبيق مرسال الفيس بوك، وهكذا. هذا صادم جداً، وهو كثير حقاً، كثير إلى حد أنه وقت كاف لنيل شهادة ماجستير، وكتابة ٤ كتب متوسطة الحجم.
  • الأمر لا يقتصر على ضياع الوقت في فعل أشياء ليست كثيرة الفائدة، ولكن هذا الوقت الضائع يضيع علينا بالضرورة أوقاتاً كثيرة أخرى، فنحتاج إلى الكثير من الوقت في إنجاز أعمال لا تستغرق وقتاً طويلاً في العادة بسبب ضعف تركيزنا، وكثرة مقاطعتنا للعمل كلما رنّ الجوال أو اشتقنا لرؤية آخر تحديث على السنابشات! في المتوسط يرن الهاتف مرة كل سبع دقائق، وهذا شيء فظيع كفيل بزعزعة تركيز الإنسان على العمل الذي بين يديه. تخيل أن عملاً يستغرق منك نصف ساعة في الظروف الطبيعية، سيشتغرق منك ساعتين أو أكثر حين تستجيب كل بضع دقائق لمكالمة أو رسالة واتساب أو نحو ذلك! وهكذا.
  • – من صور هدر الوقت: صرف الكثير من الوقت في أنشطة ليس لها معنى، أو صرف وقت أكثر مما يجب لواحد من أنشطتنا اليومية.. مثلاً: اجتماعات العمل الطويلة التي لا يسبقها تحضير ولا تتلوها متابعة، الاستمتاع بلعبة ما على هاتفك الذكي وأنت في بيت الراحة، النوم الزائد عن الحاجة، إلى آخره.
  •  كذلك: الانتظار الذي يذبح الكثير من الوقت في كل يوم، وخاصة لأمثالي من سكان المدن الكبيرة المكتظة، نمضي الكثير من الوقت كل يوم في انتظار إشارة حمراء، وانتظار أن يجهز الطلب الذي نريده في المطعم، وكذلك الوقت الذي يضيع بسبب تصرفات أشخاص آخرين نتعامل معهم. وعلى المرء هنا أن يحرص على أن يكون الخيار في يده؛ فيحتفظ دائما بشيء يمكنه العمل عليه حين يطرأ فراغ ما..
  • ثمة هدر كبير ييحدث في حالتي الانتقال والتنقل! المدة الفاصلة بين إنهاء عمل والبدء في عمل آخر.. والمدة التي تذهب في الطريق بين مكان وآخر. وفي بعض الأحيان يكون هذا الأمر ضروريا ولا مناص عنه، نظراً لطبيعة العمل أو إكراهات الجغرافيا! وعلى المرء أن يسعى لأن يكون الخيار في يده؛ فيستفيد على نحو ما من الوقت الذي يذهب في التنقل من مكان لآخر، بالاستماع، أو التفكير، أو تسجيل مذكرات صوتية، أو غير ذلك.
  •  وثمة هدر يحدث حين يطول الوقت الذي نُمضيه في الاستعداد لمهمة صعبة، وقد صدق القائل: حين يكون عليك التهام ضفدعة؛ فلن يجديك أن تنظر إليها طويلا وتندب حظك.
  •  الملل وضعف إقبال النفس على العمل، يجعلنا نضيع الكثير من الوقت قبل العمل، وأثناءه.
  •  الإرهاق.. أن يعمل الإنسان وهو يصارع النعاس أو يكابد التعب والإرهاق.. هذا عذابٌ لا ينتج عنه شيء، من يعمل وهو مرهق يستغرق وقتاً أطول مما يجب، ويخرج بنتائج أقل مما يريد.
  • ولهدر الوقت صور أخرى كثيرة، ليس المقصود استقصاؤها بل الإشارة إليها.
  •  أفكار لخفض هدر الوقت:

  •  الاستشفاء من داء إدمان الإنترنت سيوفر الكثير من الوقت والأعصاب، ويجعلنا أسرع إنجازاً وأوفر وقتاً وأكثر تركيزاً، ويتيح لنا الفرصة لننهي الكثير من الأشغال في أقل من نصف الوقت الذي نقضيه حال الشتات الرقمي.
  •  تقليل الأنشطة غير المجدية أو التخلي عنها بالمرة، والأمر متعلق بالهمة.
  •  الحرص على النوم الجيد لوقت كاف كل يوم، والابتعاد قبيل النوم عن عادة التحديق في الهاتف.
  •  الاستمتاع بيوم أو يومين أسبوعيا من الراحة والبعد عن العمل وما يقرب إليه من قول وعمل.
  •  أخذ الاحتياطات المسبقة للتعامل مع أوقات الفراغ -أو الملل- التي قد تطرأ أثناء اليوم.. بحيث يجب ألا يمر المرء بوقت لا يعرف ماذا يفعل فيه!  فهناك دائماً مهمة للتفكير بها، اتصال هاتفي، كتاب للقراءة، مادة صوتية للسماع، إلى آخره…
  •  شغل اللسان بأوراد وأذكار يطالب المرء نفسه بتردادها.
  •  التخطيط المسبق للتحرك في الطرقات بالمدن الكبيرة المزدحمة، فقد يكون التبكير بمقدار نصف ساعة وسيلة جيدة للخلاص من هدر ساعة أو أكثر.

تعبتُ.. لا أدري إن كانت لي عودة إلى الموضوع أم لا، بالتساهيل.

348 total views, 2 views today

أغسطس 23, 2017

  • أضف تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *