داء الاكتفاء بالمحاولة الأولى

في المرحلة الابتدائية، كانت القراءة شيئا عسيراً على الكثير من الأطفال، ولم تكن كذلك بالنسبة لي. كنت ألاحظ أقراني وهم يبذلون الكثير الكثير من الجهد في حفظ سُوَر من القرآن الكريم جديدة عليهم، وكنتُ قد حفظتها في حلقة  التحفيظ من قبلهم. كانت مادة “التعبير والإنشاء” أيسر المواد وأهونها علي، وكانت بالنسبة للكثير من أقراني مادة لا تطاق.

لم أكن جيداً في الرياضيات، ولا كنت أطيق مادة التربية القنية، ولا مادة الجغرافيا بخرائطها البغيضة التي يُطلب منا رسمُها.

في نهاية العام، وحين تأتي الامتحانات النهائية، كنت أمضي القليل جداً من الوقت في المذاكرة، وكنت من العشرة الأوائل دائماً، ولم أكن الأول قط. والحقيقة أني لم أكن أرى “المركز الأول” شيئا يستحق الجهد الذي يُبذل من أجله.

ومن هنا بدأت المشكلة!

إذا كان بوسع المرء أن يحقق نتائج جيدة، وأحيانا نتائج مبهرة، دون أن يبذل الكثير من الجهد؛ فلماذا يُؤْمِن بأهمية بذل الجهد؟ ولماذا يعتقد أن التعب والعرق والدموع أثمان مستحقة يجب دفعها لبلوغ النجاح؟!

هكذا صرت أعيش، أكتفي بمحاولة واحدة لبلوغ أي شيء، إن لم تفلح تلك المحاولة صرفت النظر عن الهدف المنشود كله.

حين أقرأ كتاباً فأجده عسير الفهم مستغلق الأسلوب؛ أغلقه مباشرة. حين أباشر كتابة نص فيستغلق علي؛ أكف عن المحاولة مجددا. حين أطلب شيئاً من أحدهم ولا أجد استجابةً؛ أيأس من الموضوع كله ولا أكرر الطلب. حين أخطب ود أحدهم فلا يفتح لي باب قلبه منذ الطرقة الأولى؛ أنصرف عنه إلى أبد الدهر. لا أحب الترميم، أحب الاستبدال. لا أحب التعب في العمل، أحب أن يكون العمل ممتعا، وحينها لا بأس بشيء من التعب الذي يُحتمَل بسبب المتعة المصاحبة.

وتمادى هذا اللون من التوجه النفسي ليصبح ميلاً إلى إكمال العمل منذ المحاولة الأولى، وانحيازاً إلى إغلاق الملفات المفتوحة في أقرب وقت ممكن، أو تجاهلها إلى الأبد!

ومن تجليات هذا الداء: أني لا أراجع النص بعد كتابته في تسعة أعشار الحالات، ولا أحبذ أبداً القيام بدور المفتش والمراجع والمراقب.. ولا أحب المماكسة والمفاصلة في الشراء، أشتري السلعة وأنا أعلم أني مغبون في ثمنها.. أو أدعها فتكون أرخص ما تكون. ولا أحب خوض النقاشات الطويلة، ولا أستهدف إقناع أحد بوجهة نظري إلا بمحاولة واحدة؛ فإذا امتد النقاش انسحبت منه. ولا أحب التفاوض، إما أن أقبل أو أرفض.

وهكذا.

وقد ربحتُ من هذا المسلك كثيراً، وأظن أني خسرت أكثر مما ربحت.

إذا اعتبرنا الحياةَ مائدةً، فإنا سنجد من مكوناتها ما يؤكل بملعقة المحاولة الأولى، ومنها ما يحتاج إلى سكين التكرار، أو منشار المعاودة. وإذا اعتبرنا الحياة مدينةً، فإن بعض أبوابها مشرعة دوماً، والبعض الآخر يفتح بلمسة أو طرقة، وهناك أبواب أخرى لا تفتح إلا بعد تكرار الطرق وإدمان الانتظار.

وليس عسيراً على المرء أن يدرك كم يخسر الإنسانُ ويضيق على نفسه من الخيارات حين يصرف نظره عن تكرار المحاولة وإعادتها مرة بعد مرة في كثير من الأمور.

ولكن من العسير جداً أن يجد المرء نفسه قد اعتادت وأدمنت مباشرة الأمور منذ المحاولة الأولى أو الانصراف عنها، وأن يجد عقله يبرر كل انصراف عن تكار المحاولة: فإذا كان الطرف الآخر إنساناً نسب الصدوف عن طرق بابه ثانية إلى عزة النفس، وإذا كان معاملة حكومية نقصت منها ورقة أو ورقتان؛ أنصرف عنها ولعن البيروقراطية المقيتة، وإن كان المقصود علماً يحتاج إلى كدح بالعقل وكد للذهن؛ انصرف عنه واصفاً إياه بالتعقيد والاستغلاق، وقال: قُتل المتنطعون! وإن كان سلعةً غير متاحة في السوق، أو تحتاج إلى مساومة أو استيراد، قال: وإذا غلا شيء علي تركته، فيكون أرخص ما يكون إذا غلا

وما لم يتخلص الإنسان من داء تبرير الاكتفاء بالمحاولة الأولى، فسيظل وضعه صعباً.. ومن رُزق القدرة على المحاولة ثانيةً وثالثةً وعاشرةً فقد رزق قسطاً عظيماً من الصبر. والصبر مفتاح الفرج والإنجاز والجنة.

جعلنا الله من عباده الصابرين.. آمين.

265 total views, 1 views today

سبتمبر 12, 2017

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *